للوهلة الأولى، لا تحمل الصورة ما يلفت الانتباه؛ مجرد بطريق صغير يشق طريقه وسط فضاء أبيض شاسع من الجليد، مبتعدًا بخطوات ثابتة عن أسرابه.
غير أن هذا المشهد البسيط سرعان ما تحوّل إلى ظاهرة رقمية، بعدما اجتاح منصات التواصل الاجتماعي وأعيد تدويره بصيغ وتأويلات متعددة، جعلت منه رمزًا يتجاوز حدود اللقطة الأصلية بكثير.
المقطع، الذي أطلق عليه مستخدمو الإنترنت اسم «البطريق العدمي»، يوثق بطريقًا من فصيلة «أديلي» وهو يتجه نحو أعماق القارة القطبية الجنوبية، مبتعدًا تمامًا عن مستعمرته وعن البحر، مصدر غذائه الوحيد.
ومع أن المشهد مقتبس من فيلم وثائقي عُرض قبل سنوات، إلا أن الجديد هو الزخم غير المسبوق الذي حظي به مؤخرًا، بعدما حمّله المتابعون معاني ساخرة وأبعادًا نفسية، تراوحت بين الدعابة السوداء والإحساس بالانسحاب الهادئ من ضجيج الحياة.
بطريق خارج السرب
ارتبطت صورة البطريق في الوعي الجمعي بكائن اجتماعي، يعيش ويتحرك ضمن جماعات منظمة، في نظام جماعي صارم لا يترك مجالًا كبيرًا للفردية.
ومن هنا، اكتسب مشهد بطريق يسلك مسارًا معاكسًا كل عناصر الجاذبية؛ فاختياره طريقًا منفردًا بدا صادمًا، بل مثيرًا للقلق لدى البعض.
وعلى الإنترنت، تحوّل هذا السلوك إلى مرآة يعكس فيها المستخدمون مشاعرهم الخاصة، فقرأه البعض كتجسيد للإرهاق النفسي، أو الرغبة في العزلة، أو حتى كناية عن الانسحاب الطوعي من صخب العالم.
ولأن المقطع يخلو من أي شرح أو تعليق، فقد فتح الباب واسعًا أمام التأويلات الشخصية، وهو ما أسهم في انتشاره المتكرر مرفقًا بتعليقات تتغير دلالاتها من منشور إلى آخر، وفقًا للحالة المزاجية لكل مستخدم، كما أشارت صحيفة Times of India.
الحقيقة خلف اللقطة
بالعودة إلى أصل المشهد، يتبين أنه مقتطع من الفيلم الوثائقي الشهير «لقاءات في نهاية العالم» للمخرج الألماني فيرنر هيرتزوج، الصادر سنة 2007.
ويظهر في اللقطة بطريق «أديلي» يقف عند أطراف مستعمرته قبل أن يستدير فجأة، مخالفًا حركة بقية البطاريق التي تتجه نحو الساحل بحثًا عن الطعام، ليسير وحيدًا نحو قلب القارة القطبية، حيث لا شيء سوى الجليد والفراغ والجبال البعيدة.
ويمضي البطريق في طريقه دون تردد، بخطى ثابتة نحو منطقة تخلو تمامًا من مقومات الحياة.
ووفق تعليق هيرتزوج في الفيلم، فإن هذا المسار يعادل عمليًا الابتعاد عن فرص النجاة، إذ إن المناطق الداخلية للقارة لا توفر غذاءً أو مأوى.
ولم تلاحق الكاميرا الطائر طويلًا، إذ ينتهي المشهد دون خاتمة واضحة، تاركًا السؤال معلّقًا في ذهن المشاهد.
من الوثائقي إلى السياسة الساخرة
زخم "البطريق العدمي" لم يتوقف عند حدود السخرية الرقمية، بل تعزز أكثر بعد تداول صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي نُسبت إلى "البيت الأبيض"، تظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يسير بجانب بطريق يحمل العلم الأمريكي.
ورغم الانتشار الواسع الصورة، سرعان ما رصد المتابعون أخطاء تقنية وجغرافية واضحة، أبرزها عدم تطابق آثار الأقدام على الجليد، فضلًا عن حقيقة أن البطاريق لا تعيش في القطب الشمالي.
وربط البعض الصورة بتصريحات سابقة لترامب حول "غرينلاند"، ما أضفى على المشهد بعدًا سياسيًا لم يكن حاضرًا في المقطع الأصلي، وحوّل الميم من دعابة خفيفة إلى مثال صارخ على المسافة الفاصلة بين الصور المتخيلة والحقائق العلمية.
رأي العلم
في المقابل، يشدد العلماء والباحثون على ضرورة عدم إسقاط قراءات إنسانية أو رمزية على سلوك الطيور.
فبطاريق "أديلي" مرتبطة فطريًا بالمناطق الساحلية حيث الغذاء والتكاثر، وأي تحرك نحو الداخل يعد سلوكًا نادرًا واستثنائيًا.
ويرجّح المختصون أن يكون هذا السلوك ناتجًا عن فقدان التوجه لدى طائر صغير أو قليل الخبرة، أو بسبب مرض أو إصابة تؤثر على قدراته الملاحية، أو نتيجة تحرك عارض خارج فترات التكاثر.
ويؤكد الباحثون أن هذه الحالات لا تعكس "قرارًا واعيًا" أو موقفًا وجوديًا، بل هي استثناءات بيولوجية تفرضها ظروف صحية أو بيئية لا ترصدها عدسة الكاميرا، فالبطريق، في نهاية المطاف، لا يسعى لإيصال رسالة عدَمية، بل يستجيب ببساطة لخلل خفي في محيطه الطبيعي.
